أبي الفدا
6
تقويم البلدان
أخباره مضطرب ، وهو غير محقق . وكذلك بلاد البلغار ، وبلاد الجركس ، وبلاد الروس ، وبلاد السرب ، وبلاد الأولق ، وبلاد الفرنج ، من الخليج القسطنطيني إلى البحر المحيط الغربي . فإنها بلاد كثيرة وممالك عظيمة متّسعة إلى الغاية ، ومع ذلك فإن أسماء مدنها وأحوالها مجهولة عندنا ، لم يذكر منها إلا القليل النادر ، وكذلك بلاد السودان في جهة الجنوب ، فإنها أيضا بلاد كثيرة لجنوس مختلفة من الحبش والزنج والنوبة والتكرور والزيلع وغيرهم ، فإنه لم يقع إلينا من أخبار بلادهم إلا القليل النادر ، وغالب كتب المسالك والممالك إنما حقّقوا بلاد الإسلام ، ومع ذلك فلم يحصوها عن آخرها ، ولكن كما قيل : ما لم يعلم كله لا يترك كله ، فإن العلم بالبعض خير من الجهل بالكل ، وقد جمعنا في هذا المختصر ما تفرّق في كتب عديدة على ما سنقف عليه إن شاء اللّه عند ذكرها . وحذونا في تأليفه حذو ابن جزلة في كتاب تقويم الأبدان في الطب ، وسمّينا كتابنا هذا : " تقويم البلدان " ، وقبل ذكر البلاد في الجداول نقدّم ما يجب معرفته من ذكر الأرض والأقاليم السبعة والبحار في معرفة جملة الأرض ، أما جملة الأرض فكروية الشكل حسبما ثبت في علم الهيئة بعدّة أدلّة منها : أن تقدّم طلوع الكواكب ، وتقدّم غروبها للمشرقيّين على طلوعها وغروبها للمغربيّين يدلّ على استدارتها شرقا وغربا ، وارتفاع القطب والكواكب الشماليّة وانحطاط الجنوبية للواغلين في الشمال ، وارتفاع القطب والكواكب الجنوبية وانحطاط الشمالية للواغلين في الجنوب بحسب وغولهما وتركّب الاختلافين للسآئرين على سمت بين السمتين ، وغير ذلك دليل على استدارة جملة باقي الأرض ، وأما تضاريسها التي تلزمها من جهة الجبال والأغوار فإنه لا يخرجها عن أصل الاستدارة ، ولا نسبة لها محسوسة إلى جملة الأرض ، فإنه قد تبرهن في علم الهيئة : أن جبلا يرتفع نصف فرسخ يكون عند جملة الأرض كخمس سبع عرض شعيرة عند كرة قطرها ذراع ، وكذلك ثبت في علم الهيئة : أن الأرض في وسط الفلك بعدّة أدلّة :